
والسؤال هو هل أصبحنا نتوقع من أنفسنا سمات تتسم فيها الآلات فقط أم أن هذه طبيعتنا نحن كبشر؟
منذ أسبوعين تقريباً، اشتركت في دورة لتعليم الخياطة، فأنا منذ زمن طويل أحلم بأن أتمكن من تصميم ملابس لي تناسب ذوقي باستخدام أقمشة أفضل من تلك المستخدمة في تصنيع الألبسة الجاهزة. ولكنني لم أعلم أن الموضوع ليس بهذه السهولة ويتطلب حسابات وقياسات وتركيزًا وفهمًا للفكرة التي أريد تطبيقها ونوعية القماش وطريقة الخياطة. لا أخفيك أن القطعة الأولى التي خيطتها كانت مخيبة للآمال قليلاً لأن اختيار القماش كان خاطئاً بعض الشيء ولكن القطعة الثانية أفضل بكثير وشعرت بالفخر عندما ارتديتها بعد عناء أربع أو خمس ساعات من التجربة والخطأ.
خلال تعلمي الخياطة، لاحظت أنني أشعر بالإحباط من نفسي إذا لم أفهم الخطوات من المرة الأولى أو إذا أخطأتُ في خطوة ما وكان علي أن أعيد الخياطة مرة أخرى، ومن ثم أذكّر نفسي في كل مرة أنني أتعلم ولا أعرف عن الخياطة شيئًا من قبل وهذا طبيعي لمن يتعلم لأول مرة.
وخطر ببالي السؤال: هل هذا تأثير عصر السرعة الذي نعيشه اليوم؟ فقد أصبحنا قادين على طلب الطعام بكبسة زر والوصول إلى مكان جديد باستخدام خرائط غوغل والتسجيل في دورة تعليمية والبدء بها فورًا بخطوات بسيطة جداً، ويمكننا أن نصل إلى أي كتاب وأي معلومة نريدها بمجرد بحث بسيط عبر الإنترنت. ناهيك عن تشات جي بي تي الذي أصبح صديق الجميع وزميلهم في العمل والدراسة والاستشارة سواءً الشخصية أو العملية!
والسؤال هو هل أصبحنا نتوقع من أنفسنا سمات تتسم فيها الآلات فقط أم أن هذه طبيعتنا نحن كبشر؟ لا نحب أن نشعر بأننا لا نعرف وأننا نخطئ ولدينا قدرات متفاوتة في الاستيعاب والتحمل والصبر والفهم. أعتقد أن السبب مزيج من هذين الأمرين، فسهولة تأدية الكثير من الأعمال التي كانت تتطلب ساعات وساعات في الماضي جعلتنا نعتقد أن كل جوانب حياتنا يجب أن تسير بالوقع نفسه. فالتقدم لعمل أصبح سريعًا، ولكن النجاح في المقابلة ليس بالسرعة نفسها. والتنقل إلى الجامعة لم يعد بالأمر الشاق، ولكن الدراسة والتأقلم مع جو جديد ليس سهلاً على الإطلاق. الحصول على المعلومة سريع، ولكن فهمها وحفظها وتطبيقها أبطأ بكثير. سهل أن أضيفك على فيسبوك أو إنستغرام، ولكن صعب أن أتعرف عليك بالواقع وأنمي صداقتي معك. سهل أن تصور لحظات من يومك وتنشرها ولكن الانغماس باللحظة وتقديرها لا يأتيان بالسهولة نفسها. سهل أن تنشر منشورً مفيداً ولكن تطبيقه أصعب بكثير من نشره. سهل أن تأتيك حاجات الطبخ إلى عتبة منزلك، ولكن الطبخ يحتاج وقتاً وجهداً.
أذكر أنني قرأت مرة في كتاب أننا نشعر بالفوقية تجاه أي أمر غريب علينا وغير مألوف لنا وهذا يمنعنا من اكتشاف احتمالات وفرص أوسع، وكل ذلك نابع عن خوفنا من المجهول. في كل مرة أشعر فيها بالضيق والخوف من المجهول، سأحاول إيقاظ شعوري بالفضول والدهشة والتواضع كالطفل تماماً، والاقتناع بأن من يعلمني يعرف أكثر مني وأنني سأعتمد عليه خلال تدريبي على مهارة جديدة ومن ثم سأعود إلى استقلالي بعد اكتساب المهارة الجديدة.
