من وضعنا في معركة مع الوقت؟

“غمّض عين، فتّح عين” -كما نقول- تمر السنة تلو السنة”

منذ أن كنا صغارًا ونحن نسمع العبرة القائلة “الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك” لإقناعنا بضرورة “استغلال” و”إدارة” الوقت وأننا إن لم نستغله فإنه “سيضيع” وسيفوتنا الكثير. كبرنا وأصبحنا نتجنب وجود “وقت فراغ” ونملأ يومنا بما هو ضروري وغير ضروري لنستغل الوقت. ولكن ألا تشعر أنك في يوم واحد تنجز ما لا تنجزه بشهر، أو أنك في عام واحد تخطو خطوات عن عشر سنوات فاتت؟ وهل حدث مرةً أن تمنيتَ لو أنك قطعت الوقت بمئة سيف ليمر اليوم بسلام؟ أو العكس تمامًا، تجلس على الكنبة أو المكتب الساعة الثامنة صباحًا وإذا هي الساعة الثانية عشرة ظهرًا دون أن تشعر. وهل حصل لك يومًا أن تذمرتَ من يومك الطويل وفوجئت بزميلك أو صديقك يقول لك: بالعكس، لم أشعر بمرور اليوم أصلاً!

جميع هذه المواقف التي مررنا بها جميعًا، كانت كفيلة بأن تثير فضولي حول مفهوم الزمن أو الوقت وأن أطرح السؤال: هل الزمن ثابت بالنسبة للجميع أم متغير؟ لم أدرك أن البحث عن إجابة لهذا السؤال سيقودني إلى الفيزياء -المادة الدراسية العصية على فهمي- والمرحوم “ألبرت أينشتاين”. تقول الحكاية -ليست مؤكدة- أن مُساعِدة أينشتاين اشتكت من كثرة الأسئلة التي وجهت إليها حول نظرية النسبية، فأجابها أينشتاين كالتالي: “عندما أجلس مع من أحب لمدة ساعتين، أخالها دقيقة واحدة فقط. ولكني عندما أجلس على موقد ساخن جدًا لمدة دقيقة أخال أنها ساعتان، هذه هي النسبية”.

تتلخص نظرية “النسبية” في وجود أربعة أبعاد للكون منها الزمن وهو نفسه لا يجري في جميع أنحاء الكون بالتساوي، بل هو يطول ويقصر حسب ظروف وأماكن معينة. هذه المعلومة لوحدها قلبت لي جميع الموازين، فالوقت ليس كالسيف إن لم تقطعه قطعك، إنه جزء من أبعاد الكون، أي أنه لن “يفوتني” حتى أستغله! أكاد لا أصدق أنني سأشكر الفيزياء على شيء، ولكن شكرًا للفيزياء على هذه المعلومة التي تثبت لي مرة أخرى أن لا أحد يلاحقني بعصا! من المؤكد أن استنتاجي ليس دقيقًا على الإطلاق، ولكنه يخدمني في هذه المرحلة. وأفهم أن الهدف من المقولة أن تقول لنا أن “الوقت لا يعود” لذلك يجب أن نستفيد منه قدر المستطاع ولكنني ألمس فيها أسلوب التهديد والوعيد، وكأننا في معركة مع الزمن!

ينطبق شرح أينشتاين المبسط لنظرية “النسبية” على مراحل حياتنا، فإذا عدت إلى طفولتك وسنوات المدرسة ستجد أنها سارت ببطء شديد بينما تجاوزتَ سنوات الجامعة بسرعة أكبر وبعدها، “غمّض عين، فتّح عين” -كما نقول- تمر السنة تلو السنة. ففي الطفولة، يكون كل شيء جديدًا، نتعرف على أقدامنا وأيدينا وما حولنا، نتعلم المشي والأكل والكلام والضحك والتصفيق. ندخل المدرسة ويصبح لدينا معلمة مفضلة وأصدقاء و”أعداء”، أشياء جديدة تدخل حياتنا يوميًا. لذلك يكون الوقت بطيئًا والسنة تنتهي بشق الأنفس! ولكن مع تقدمنا في السن، تقل نسبة التجارب الجديدة التي نخوضها وتصبح حياتنا أقرب إلى روتينية لذلك نشعر أن الوقت يمر بسرعة البرق.

الآن أصبح لدي تصور جديد للوقت -وأتمنى أنني ساعدتك في تغيير تصورك عنه أيضًا- وبالتالي كيفية “استغلاله”. فأنا أعتقد أن أي فعل نقوم به من منطلق الخوف يكون مرهقًا لنا ويجلب التعاسة لحياتنا، فإذا كنت مقتنعةً أن الوقت سيضيع مني وأن حياتي تفوتني سأتحول من إنسان يعيش الحياة إلى إنسان يجري وراء الحياة وهو مدمر لي ولنا جميعًا. كبديل، أسعى لملء أيامي بما يفيدني ويسعدني وهكذا سأشعر أن حياتي غنية ومتنوعة وأن وقتي “مستغل” ولكن ليس من منطلق الخوف، بل من منطلق حب الحياة والانفتاح عليها.

Leave a Reply