شكرًا أيها الغريب

خلال رحلتي الصباحية إلى العمل، أرى دائمًا رجلاً في الخمسينيات من عمره يقف على الرصيف منتظرًا حافلة -أو أي وسيلة نقل أخرى- تأخذه إلى مكان ما. أحب أنني رأيتُ هذا الرجل بنفس المكان والزمان في كل فصول السنة، ففي الشتاء يرتدي معطفًا أسود طويل وفي نهايات الشتاء عندما بدأت درجات الحرارة بالارتفاع، تغير المعطف إلى جاكيت خفيف. وفي هذه الأيام، يرتدي قميصًا أزرق ونظارات شمس، وفي كل فصول السنة غالبًا ما يكون هذا الرجل في مكالمة على هاتفه الخلوي.  

ينتابني الفضول حول وجهته التي تتزامن مع رحلتي إلى العمل، وهل يلاحظني كما ألاحظه؟ وإذا كان يلاحظني هل يرى ما أراه؟ أم يرى شيئَا آخر؟ وهل يعرف أن رؤيتي الخاطفة له من سيارتي أصبحت جزءًا من يومي، وروتينيًا حتى، كما أتناول الفطور كل يوم وأشرب النسكافيه في الصباح. وهل هناك من يلاحظني ولا ألاحظه؟ وكيف يراني؟ وهل يحييني بتحية ضمنية أم يكره رؤيتي لأنني جزء من أيامه المتعثرة؟

أفكر دائمًا في هذه المواقف، فأنا لم أتحدث ولن أتحدث مع هذا الرجل وقد يكون لا يراني أصلاً. ولكن المرور بجانبه لثوانٍ معدودة يجلب لي راحة غريبة وكأنه جزء من روتيني اليومي. سيأتي يوم وسأتوقف عن رؤيته، أنا متأكدة من ذلك، ولكنني سأتوجه له بشكر خاص لأنه أصبح جزءًا مما أتطلع إليه في بداية يومي.

أتساءل أحيانًا عن السبب الذي يجعلنا نلاحظ أشخاصًا دون غيرهم، وعن العبرة أو الفائدة من ملاحظتي له وتحيتي الضمنية له في كل صباح. لماذا نرى أشخاصًا لا نعرفهم كل يوم في نفس الساعة، ولا نرى أشخاصًا نعرفهم بهذه الوتيرة المنتظمة؟ ولماذا يكون للغرباء تأثير أكبر علينا، فأنا أرى الأهل والزملاء والأصدقاء كل يوم ولكنني لا أشعر بهذه الراحة الغريبة.

الآن عرفت السبب! وأنا أكتب هذه السطور، تذكرت فعلاً أنني مقصرة بالامتنان لرؤيتي لكثير من المقربين مني بشكل منتظم، فقد منحني الغريب راحة مميزة ولكنها مؤقتة، أما المقربين منا يمنحوننا راحة ممتدة لوقت أكبر ولكن عنصر المفاجأة أو الغرائبية فيها يكاد يكون معدومًا. شكرًا أيها الغريب مرة أخرى على تذكيري بما هو أهم في حياتي، رغم أنني لا أنقص من أهميتك شيئًا وأتمنى أن أراك على موعدنا😊

2 responses to “شكرًا أيها الغريب”

  1. إضافة لأن وجوده المؤقت ذكرك بالموجودين للأبد. 😻 أظن أن الراحة التي تكتنفك مصدرها [الأرواح جنود مجندة]. ربما لو ألقيتِ التحية عليه ذات يوم، لأكتشفتِ عالمًا من الأسرار 👾

    1. صحيح، الأرواح جنود مجندة فعلاً! المشكلة أنني أمر بجانبه بالسيارة فصعب ألقي عليه التحية، ولكن أكيد ستكون تجربة مختلفة:)

Leave a Reply

Discover more from مدونة هاء

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading