هل عشتَ تجربةً مُحرِرة مؤخراً؟

مر وقت طويل منذ أن كتبت أي شيء، لا أعرف السبب ولكني سأحاول مجدداً لعلي أنجح بالالتزام مرة أخرى.

لقد مررتُ بتغيرات عدة في الفترة التي توقفت فيها عن الكتابة ربما ساهمت في أن تشتت انتباهي لجوانب أخرى من الحياة. من هذه التغييرات، البدء بوظيفة جديدة، وليس هذا بمعزل عما نراه اليوم من أهوال في بلادنا العربية وأثره الكبير علينا وعلى حياتنا اليومية والتي يمكننا أيضاً أن نعتبرها تجربة جماعية أعادت تعريف المُسلّمات لدى الكثير.

لنبقَ على المستوى الشخصي، وبما أننا بموضوع الوظيفة سأحكي لك عن تجربة مررتُ بها مؤخراً، يحلو لي أن أسميها تجربة “مُحرِرة”، وهي تجربة فقدان العمل.

وصل لي إيميل بدعوة إلى اجتماع يجب أن أحضره شخصياً وهو ما أثار حفيظتي لأنني أعمل من المنزل وكل اجتماعاتي “أونلاين” وما جعلني أتوجس أكثر هو عدم توضيح هدف الاجتماع، ولكني قلت في نفسي “لا تستعجلي بالحكم”.

وصلت، استقبلتني وجوه لا يمكن تفسيرها ودخلت إلى غرفة الاجتماع لألتقي بوجوه يصعب تفسيرها أيضًا، جلستُ وإذ به – وهو مدير لم أره في حياتي- يباغتني بأسلوب لطيف وليس فظاً (بعد السلام والحديث الجانبي المعتاد) بأن الشركة تريد إنهاء عقدي. استفسرتُ عن السبب وشرحتُ طبيعة عملي، ولكن لم يتغير شيء. فتأكدتُ أن القرار صحيح وسلّمت “اللاب توب” والباجة التي أستخدمها للدخول والخروج، وخرجتُ خلال أقل من خمس عشرة دقيقة! هكذا ينتهي العقد بدقيقة لا أكثر!

راودتني أفكار كثيرة، ماذا سيحدث للمهام التي أعمل عليها حالياً؟ ماذا سأفعل الآن؟ هل سأقدم على عمل آخر أم أنتظر؟ والطريف في الأمر أن جانباً داخلي كان سعيداً لأنه لا يريد العمل والتعب. وسط جميع هذه الأفكار، اتصلتُ بزميلتي في العمل وأخبرتُها بما حصل، ولكنها أصرت أن هناك خطأ ما وبادرت بالتواصل مع مديرتي. في هذه المرحلة فقدتُ جميع وسائل التواصل مع أي شخص في العمل لأنني سلّمتُ كل شيء، فكان لا بد لها أن تتدخل (مشكورة طبعاً).

ركبتُ سيارتي واتجهتُ إلى المنزل وعندما عدتُ أخبرتُ أخي عبر الهاتف بما حصل، فقال لي هناك خطأ ما حتماً. ولكنني لم أصدق لأن الأمر كان حقيقة بالنسبة لي والمدير كان يتحدث بكل ثقة.

دخلتُ المنزل وشعرتُ برغبة في البكاء، ولكنني منعتُ نفسي وقلت “إن شاء الله خير”. ومن ثم اتصلت بي زميلتي وأخبرتني أن هناك خطأ ما وأنهم يحققون في الموضوع. وبعد نحو ساعة، تبين أن هناك خطأ وأني لم أخسر عملي ويمكنني أن أعود في اليوم التالي لاسترجاع “اللاب توب” و”الباجة”. ثم استقبلتُ مكالمات الاعتذار والتوضيح من أكثر من شخص وتبين أن الخطأ خلل في التواصل بين الأقسام. جانب مني تنفس الصعداء لأنه لم يرتح إلى هذا التغيير المفاجئ والجانب الآخر شعر بالخيبة لأن علي الاستيقاظ باكراً غداً!

بعد مرور أيام، بدأت أشعر بالغضب، وأنني “لا شيء” وأنه بأي لحظة من الممكن الاستغناء عن خدماتي. ولكنني الآن فعلاً اقتنعتُ بأنني لا شيء حقاً! من أنا بالنسبة لشركة تعمل بوجودي وبعدمه؟ ولماذا أريد من عملي أن يمنحني هذا الشعور بالأهمية؟ ألا يكفي أنني إنسان على قيد الحياة؟ ألا يكفي أنني أحاول كل يوم أن أصبح شخصاً أفضل؟ ألا يكفي أن لي عائلة وأصدقاء وتجارب ومعارف وطموحات ومخاوف؟

لماذا نربط قيمتنا بالماديات التي تجيء وتذهب؟ لماذا نربط أنفسنا بأمور خارجة عن سيطرتنا ونشعر بأن الخلل منا وأننا نحن المقصرون إذا لم نقبل بوظيفة ما أو لم نحصل على التقدير الذي نبحث عنه في العمل؟ ففي الكثير من الأحيان الموضوع غير متعلق بنا من الأساس وليس له أي علاقة بنا وبإنتاجيتنا وبقيمتنا كأفراد.

خالقنا يقول لنا “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” ليس هناك ربط للعمل مع النتيجة، فالنتيجة خارجة عن سيطرتنا وتصرفات الآخرين وقراراتهم ليست حكماً قاطعاً، الكل يخطئ ولا أحد متأكد أن سعيه سيؤتي ثماره!

كما قلتُ في البداية شعرتُ بالإحباط والغضب وهي مشاعر طبيعية في هذا النوع من المواقف. ولكنني الآن أجد هذه التجربة “مُحرِرة” حقاً، فقد حررتني من ربط قيمتي بالعمل ونظرتي لنفسي بنظرة الآخرين وآرائهم وأن أضع حاجزاً وهمياً بيني وبين العمل، فقد لاحظتُ أنني كنتُ أهتم كثيراً بما يحصل بالعمل لدرجة تؤثر على حالتي النفسية، أما الآن فأنا أكثر وعياً بما يسيطر على تفكيري ومشاعري، لا أنكر أنني حالياً في النقيض المقابل وهو عدم الاكتراث – كنتيجة طبيعية لما حصل- ولكنني سأجد موقعاً وسطاً أقف عليه مع مرور الوقت.

الوظيفة هي مصدر مستقر للدخل وتساعدك على صقل شخصيتك ومهاراتك وتعرفك على أشخاص جدد، ولكنها ليست حياتك كلها. فعندما ظننتُ أنني “طُرِدت” لم تنته الحياة وظل الكوكب يدور حول الشمس! طبعاً لم تخطر في بالي هذه الفكرة فوراً، ولكنها تجلّت لي لاحقاً. فقد مر على التجربة أسبوع أو أكثر، المهم أن نبقى مستعدين للتغيير وأن نتقبله مهما كان صعباً أو بعد حين لأن الحياة هكذا سواء أحببنا ذلك أم لا!

في النهاية الوظيفة مهمة جداً والناس يختلفون في التعامل معها والنظر إليها حسب ظروفهم وليس من السهل أن يفقد أحدهم عمله في هذه الظروف الصعبة، ولكن الأهم ألا ننسى قيمتنا كبشر قبل كل شيء بعيداً عن المناصب وظروف الحياة المتغيرة.

على أمل أن نتحرر من قيودنا جميعها واحداً تلو الآخر.

 

 

Leave a Reply

Discover more from مدونة هاء

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading