عندما تقرأ “الاستشراق”

ليس بإمكانهم تمثيل أنفسهم، لا بد من تمثيلهم. – كارل ماركس

الشرق مهنة. – بنجامين ديزلي، تانكرد

منذ أن أطلقت مدونتي وأنا أخطط لتخصيص مساحة فيها لمراجعات الكتب أو الحديث عما أقرؤه وذلك تأخر قليلاً على ما يبدو. ولكن كما يقال أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً.

عندما أقيم معرض الكتاب في عام ٢٠٢٣ على ما أعتقد، وضعت قائمة من الكتب التي أريد شراءها ومن ضمنها كان كتاب “الاستشراق”. فلطالما قرأت اقتباسات منه وقرأت عنه، فقررت شراءه، هو وكتاب آخر لا أتذكر عنوانه، لأنني كنت وما زلت أشتري الكتب بتروٍ وأحاول شراءها عبر “كندل” إذا توفرت أولاً ثم شراء النسخة الورقية لغايات توفير المساحة وضبط عاداتي الشرائية. اقرأ مدونتي السابقة عن هذا الموضوع إذا كنت مهتمًا.

لم أكن غريبة عن فكرة الكتاب وتوقعت أنني لن أفهم كل شيء وتوقعي كان صائبًا ولكنني بدأت بقراءته رغم ذلك، ولأنه ليس كتابًا مشوقًا كرواية أو ما شابه، لم أستطع إتمامه بعد ووصلت لصفحة ٢٥٠ بعد أكثر من سنتين على شرائه! على كل الأحوال، قررت أن تكون أولى مراجعاتي لهذا الكتاب.

كما يوحي العنوان، يتحدث الكتاب عن نظرة الغرب التي صاغها المستشرقون والمحتلون لبلادنا قبل ٢٠٠ عام تقريبًا. ويبدو أن الوقت ملائم جدًا لهذه المراجعة في ظل ما يحدث في العالم اليوم، فنحن نسمع كثيرًا الآن عن إعادة تقسيم “الشرق الأوسط” (مع التحفظ على المصطلح/ شاهد هذا المقطع). وعن ذلك يرد في مقدمة الكتاب: “فمن الشائع أن تسمع كبار المسؤولين في واشنطن وغيرها وهم يتحدَّثون عن تغيير خارطة الشرق الأوسط كما لو أنَ المجتمعات العريقة وملايينَ الناس يمكن أن يُخَضُّوا كما تُخَضُّ حَبات الفول السودنيّ في مرطبان! ولكن هذا ما حدث كثيرًا «للشرق»، ذلك المركب شبه الأسطوريّ الذي رُكَّب وأعيد تركيبُه منذ غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر عددًا لا يُحصى من المرَّات، بقوَّةٍ تعمل عبر شكلٍ فعَالٍ من أشكال المعرفة لتأكيد القول إنَّ هذه هي طبيعةُ الشرق، وإنَّ علينا أن نتعامل معه على هذا الأساس. في هذه العمليَّة، أُزيحت ترسباتُ التاريخ التي لا حصر لها، وهي تشمل تواريخَ لا تُعدّ، وتنوُّعًا مذهلا من الأقوام، واللُّغات، والتجارب، والثقافات: كلُّ هذه أُزيحت جانبًا ووُضعتْ فوق تلَّ الرِّمال إلى جانب الكنوز التي أُخذتْ من مكتبات بغداد ومتاحفها. ما أريد قولَه هو أنَّ التاريخ يصنعه الرجالُ والنساءُ مثلما يمكن أن يفكَّكَ وتُعادَ كتابتُه، بحيث تشمل الكتابةُ الجديدةُ جوانبَ ومحذوفاتٍ مسكوتًا عنها، وإضافاتٍ وتشويهاتٍ يجري التغاضي عنها، حتَّى يصبح ((شرقُنا» أو ((مشرقُنا)» ملْكًا ((لنا)) [نحن الغربيِّين] نُديره كيفما نشاء”.

هم ينظرون إلى بلادنا على أنها تنتظر منهم أن يفعلوا شيئًا بها لأننا عاجزين عن إدارتها، فنحن مختزلون ومحكومون بنظرة عنصرية لنا ولتاريخنا وتراثنا ويحدد لنا مسبقا ما يجب أن نعرفه وما لا يجب أن نعرفه عن تاريخنا وكيف يجب أن نعيش ونفكر ونأكل ونتعامل مع الآخرين. وقد بدأ الأوروبيون بزيارة “الشرق” والكتابة عنه ومن ثم دخل الأمريكيون إلى الساحة، حيث يقول الصحفي الذي كتب مقدمة الكتاب أنه وجد “المشاعر التي تزداد تصلبًا وقبضة التعميمات المهينة والكليشيهات المتباهية التي تزداد رسوخًا وهيمنة القوة الفظة الممزوجة بالاحتقار التبسيطي للمخالفين و”الآخرين””.

ومما يدل على ذلك اقتباس آخر من الكتاب {كتب صحافيٌّ فرنسيٌّ أثناء زيارةٍ قام بها إلى بيروت إبَّان الحرب الأهليَّة الفظيعة التي استَعَرَتْ بين سنتيْ 1975 و1976، معبِّرًا عن أسفه على الدمار الذي حاق بوسط المدينة بقوله إنَّها (بدت في يومٍ من الأيَّام كأنَّها تنتمي… إلى شرق شاتوبريان ونرفال»(1). وكان محقًّا في ما يتعلَّق بالمكان بطبيعة الحال، لاسيَّما في ما يخصُّ شخصًا أوروبيًّا. فالشرق كان اختراعًا أوروبيًا تقريبًا، وكان منذ القِدَم مكانًا للقصص الرومانسيَّة، والمخلوقات الغريبة، والذكريات والمناظر التي لا تُنسى، والتجاربِ الخارجةِ عن المألوف. غير أنَّ هذا الشرق كان في طريقه إلى الاختفاء. كان الشرق، بمعنى من المعاني، قد حدث وانتهى زمنُه. ولربَّما بدا أنْ لا أهمّيَّة لإحساس الشرقيِّين أنفسهم بأنَّ ما كان يحدث كان يمسهم، وبأنَّهم كانوا موجودين حتَّى في أيَّام شاتوبريان ونرفال، وأنَّ ما يحدث الآن يسبَّب لهم الآلام. فالأهمُّ بالنَّسبة إلى الزائر الأوروبيُّ هو التَّمثيل الأوروبيِّ للشرق ومصيره في الوقت الراهن؛ إذ إنَّ لكليْهما معنِّى يهمُّ مجتمعَ الصحافيِّ وقرَّاءه الفرنسيِّين}.

فكرت أن كل هذه الكتابات قديمة فنحن نتحدث عن القرن الماضي، ولكن هذه الأفكار ما زالت موجودة ولها أثرها في السياسة والاقتصاد وغيرها من المجالات ووفقًا للكتاب: “الفكرة هي أنَّ الاستشراق، رغم عدم تمتُّعه بالقوَّة التي كان يتميَّز بها في الماضي، لا يزال حيًّا في الحياة الأكاديميَّة من خلال المذاهب والأطروحات التي تُكتب عن الشرق وما هو شرقيّ”.

أكثر ما استفزني أثناء القراءة هو عندما وجدت إسم “بلفور” مذكورًا وما كتبه أيضًا يدعو للغضب، اقرأ معي ما كتبه مقتبسًا من الكتاب:

“هل من مصلحة هذه الشعوب العظيمة – وأنا أَقرُّ بعظمتها – أن نمارسَ نحن هذا الحكمُ المطلق؟ أنا أرى أنَّ ذلك في مصلحتها. أرى أنَّ التجربة تُظهر أنَّ أحوالَها تحسنت تحت حكمنا أكثر ممَّا حصل لها طوال تاريخها السَّابق في هذا العالم. وحكمُنا ليس لمصلحتها فقط، بل لمصلحة الغرب المتحضَّر بكامله… نحن في مصر ليس فقط من أجل المصريّين، مع أنَّنا هناك من أجلهم؛ نحن هناك لمصلحة أوروبا كلِّها أيضًا”.

يعلق إدوار سعيد على ما قاله “بلفور” قائلاً: “لا يقدَّم بلفور أيَّ دليلٍ يُثْبت أنَّ المصريّين (والأقوام التي نتعامل معها) يقدِّرون أو يفهمون العملَ الطيِّبَ الذي حصلوا عليه من الاحتلال الاستعماريّ/ ولا يخطر في بال بلفور أن يَسمحَ للمصريِّ بالتحدُّث عن قضيَّته بنفسه، لأنَّ من المحتمل أنَّ المصريَّ الذي سيتحدَّث (مثيرٌ للفتن وراغبٌ في إثارة المصاعب)، وليس المصريَّ الطيّب الذي يغضُّ الطرف عن المصاعب التي تسبِّبها الهيمنةُ الأجنبيَّة.

هم يعتقدون أنهم يتفضلون علينا بدخولهم إلى بلادنا وفرض سيطرتهم عليها – أو هكذ تزين لهم أنفسهم- وأنهم بمحو تراثنا وثقافتنا وطمس هويتنا يساعدوننا على التقدم، وأننا لولا تدخلهم بنا لكنا ضائعين متخلفين لا ندري كيف ندير شؤون حياتنا مع أن بلادنا مرت بقرون طويلة من الحقب التاريخية التي تخلو من تدخلهم وكنا عايشين عادي!

لست أدري ما إن كانت هذه مراجعة وافية أو للكتاب، فما ذكرته ليس إلا جزء بسيط من الجوانب التي يتناولها الكتاب، ولا أعلم إن كانت المراجعات تكتب بهذه الطريقة. وكما ذكرت أنني لم أفهم جميع المواضيع لأنها تعتمد على معرفة مسبقة لدى القارئ. ولكنني سعيدة أنني قرأت جزءًا منه على الأقل وأنوي إتمامه، يمكنني القول أن هذا الكتاب يفتح العيون ويساعدك على فهم الواقع الذي نعيشه بصورة أفضل وأكثر عمقًا. فأنا دائما أعتقد أن الرجوع إلى الماضي والأسباب الجذرية مهم لفهم الواقع الآن.

أخبرني هل سمعت عن الكتاب من قبل؟ أو تشجعت لقراءته؟ قد أعود لكتابة جزء ثانٍ للمراجعة بعد أن أعود لقراءته مرة أخرى.

Leave a Reply

Discover more from مدونة هاء

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading