ليست الغصّة بغريبة، فقد اعتدنا عليها إلى درجة أننا لم نعد نلقي لها بالاً…
تحذير: سأكون عاطفية جداً وأنحي المنطق جانبًا في هذه المدونة لأنها مجرد “فشة خلق” كما يقال.
لا أحد يتحدث عن الغصة التي ترافق الصيف، فهو لديه دعاية جيدة، يغلف نفسه بأنه فصل لمة العائلة واجتماع أفراد الأسرة. أكيد أن صيفي مثل صيفك، ففيه يأتي المغتربون من كل أنحاء العالم ليقضوا أسبوعين ثلاثة آو شهرًا على الأكثر في البلد الذي تربوا أو تستقر معظم أسرتهم فيه (عادةً الأم والأب) ويرافق ذلك الهدايا والفعاليات العائلية والقصص التي لا يصلح ذكرها عبر الفيديو كول، وفي الكثير من الأحيان الأطفال الذين كبروا عامًا دون أن نراهم وما إن يعتادوا علينا حتى يحين وقت الفراق مجدداً، وتلك لمحة من ملامح غصّات الصيف…
ليست الغصّة بغريبة، فقد اعتدنا عليها إلى درجة أننا لم نعد نلقي لها بالاً. فنحن – في “بلاد الشام”- معتادون على كرسي “السفرة” الفارغ، والغرفة الإضافية التي تنتظر من ينام على وسائدها، على تلك الخالة التي تزوجت وراحت على “أميركا” قبل ٢٠ أو ٣٠ عامًا وأصبحت مجرد اسم يذكر وأبناؤها لا يعرفون العائلة ولا يتحدثون لغتنا أصلاً. معتادون على ذلك الشاب الذي سافر إلى الخليج بحثًا عن حياة أفضل ولا يجرؤ علي التفكير بالعودة، فهو إن تقبل الفكرة، سيواجه هجومًا من الجميع: “شو بدك بالرجعة! هناك أحسنلك”. على ذلك الطفل الذي لا يعرف إلى أي بلد ينتمي وعلى العائلة التي ينقصها فرد وأفراد دائمًا.
معتادون على شخص يحمل الهاتف في أي مناسبة وكأنه مصور محترف، ليحضر ذلك المغترب المناسبة -التي غالبًا ما تكون سعيدة- من مكانه في بلاد الغربة، قريبة كانت أم بعيدة. وعلى ذلك العم الذي تزوج أجنبية وانقطع اتصاله بأهله، معتادون إلى درجة أنك لا تكاد تجد عائلة مكتملة، معتادون على أن نسأل المخطوبة حديثًا: “الجوازة لهون ولا لبرا؟”. معتادون على الطبخات التي لا تطبخها الأم إلا عند قدوم المغتربين. معتادون على المجالس الفارغة وأطقم الصحون التي لا تخرج إلا عند رجوع الغُيّاب. معتادون على الغياب وكأنه الحاضر الوحيد.
من جهتي عشت وأعيش التجربتين، أن أكون قطعة البازل الناقصة من حياة أسرة ممتدة في بلد غير الذي تربيت فيه، وأن أعيش غياب قطعة البازل ضمن عائلتي الأصغر، ولا أخفيك- كلاهما “بغصّص”. ففي العائلة الممتدة أنت تنتمي ولا تنتمي، يعرفونك ولا يعرفونك، تشبههم ولا تشبههم! أما في العائلة الأصغر، فأنت معتاد على الغياب وتدرك تماماً أن اللقاء اليومي والفيديو كول ليسا كالحديث وجهًا لوجه وأن هناك من يعيش عمراً بعيداً عنك! وأن شيئاً فيك يكتمل عندما يأتي الغائب للزيارة، وسرعان ما تعود الغصة لتملأ الفراغ من جديد.
ربما لم يعد منطقيًا أن ننتظر البازل لتكتمل بعد الآن، ربما هي ليست بازل أصلاً، ربما كُتب علينا الفراق دائمًا لحكمة نجهلها أو سنكتشفها مع الوقت، وربما لكل شيء ثمن، للبقاء ثمن وللغياب ثمن، أيهما أبهظ لا أدري صراحة. أعتذر إذا نكدت عليك عزيزي/ عزيزتي القارئ/ القارئة وأقول لك “الحق عالصيف”.
Leave a Reply